السيد محمد باقر الخوانساري
225
روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات
وذكر قوم جريرا والفرزدق . فقال بعضهم : جرير كان أنسبهما وأسهبهما وأشبقهما [ أسبّهما ] ، وسئل آخر عنهما فقال : جرير يغترف من بحر والفرزدق ينحت من صخر . فسمع ذلك جرير فقال : إنّ البحر يمرّ بالصخر فيفلقه ، وقال مروان بن أبي حفصة شعرا : ذهب الفرزدق بالفخار وإنّما * حلو الكلام ومرّه لجرير ولقد هجا فامض أخطل تغلب * وحوى اللهى بمديحة المشهور هذا ، وذكر ابن خلّكان أنّه كانت بينه وبين الفرزدق مهاجاة ونقائض وهو أشعر من الفرزدق عند أكثر أهل العلم بهذا الشأن ، وأجمعت العلماء على أنّه ليس في شعراء الإسلام مثل ثلاثة : جرير ، والفرزدق ، والأخطل ، ويقال : إنّ بيوت الشعر أربعة : فخر ومدح وهجا وتشبيب « 1 » ، وفي الأربعة . فاق جرير غيره . فالفخر قوله : إذا غضبت عليك بنو تميم * حسبت الناس كلّهم غضابا والمدح قوله : ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح والهجاء قوله : فغضّ الطرف إنّك من نمير * فلا كعبا بلغت ولا كلابا والتشبيب قوله : إنّ العيون الّتى في طرفها مرض « 2 » * قتلننا ثمّ لم يحيين قتلانا يصرعن ذا اللبّ حتّى لا حراك له * وهنّ أضعف خلق اللّه إنسانا وعن كتاب « الأغاني » لأبى الفرج الأصبهاني أنّ رجلا قال لجرير : من أشعر الناس قال له : قم حتّى أعرفك الجواب . فأخذ بيده وجاء به إلي أبيه عطيّة ، وقد أخذ عنزا له فاعتقلها وجعل يمتصّ ضرعها فصاح به اخرج يا أبه . فخرج شيخ ذميم رث الهيئة ، وقد سال لبن العنز على لحيته . فقال : أترى هذا قال : نعم قال : أو تعرفه قال : لا . قال : هذا أبى أفتدرى لم كان يشرب من ضرع العنز قال : لا . قال : مخافة أن يسمع صوت
--> ( 1 ) في الأغاني : ومديح ، ونسيب . ( 2 ) في الأغاني : في ظرفها حور .